القمني بين الإجتهاد والتضليل /مجاهد عبدالله
يظل الدكتور القمني أحد أهرامات نقد التراث الإسلامي وللرجل ذخيرة هائلة من المكتوب كتباً ومقالات .ويظل ايضاً صاحب مجهود وافر في تنقيب بحر هائل من القصص والروايات والأفكار التي يعج بها تاريخ الدين والأمة التي حملت الإسلام ,كما أن الرجل تعمق أكثر من مجايليه في مجال النقد بإبراز المفهوم الفلسفي لكثير من روايات التراث الإسلامي ,ومرد ذلك كان للقراءة المتعمقة بين العلماء في القديم والحديث في مجال التراث نفسه ,ولن يختلف أثنان من قراء الرجل لمنطق حجته وقوة تفاكيره , بل تصير تلك الأفكار حجج يقيم بها البعض منهم مفهوماً حول التراث أو الدين نفسه . ولما كان عصرنا من المكثّف فيه بوافر كبير من المعرفة إنطلقت الكثير من الكتابات وبها ما يشاء من المعارف والأفكار ,تقدم النظريات تلو الآخرى والناس تأخذ بها أخذ من لامرد له, وكان القمني من ضمن هؤلاء يكتب ويصنف داخل التراث الإسلامي والقارئ يأخذ ما يأتيه ,تلك الأفكار التي تستند الى مرجعيات وللأسف مُشار اليه في تلك الكتابات ,ولكن من يدقــّق ؟,.فلا ناشر دقق ولا قارئ إستعلم , وتظل كتابات الدكتور القمني مرجعية كبيرة لناقدي التراث وبالمرجعيات التي بها ولكن لن يعفي ذلك من الوقوع في آتون الأخطاء التي وقع فيها القمني ,ولو كان الخطأ من الصغر لسهل التجاوز عنه كأي خطأ يدل على مستصغره كإملائي أو نحوي ,ولكن أن يكون الخطأ بدرجة عدم إعتراف بموجود فذلك بهتان كبير , والسؤال هو ماذا يمكن أن نسمي تغيير كلمة داخل رواية يمكن أن تهدم كل أساس الدين ؟فهل لمثل هذا الخطأ حجم أم يكون جرم مكتمل الأركان؟؟ وقبل أن نشرع في تحديد العلل وجب إضافة الصورة أدناه

(كتاب حروب دولة الرسول للقمني)
ويظهر هنا أستاذنا الهمام قد أشار الى أن غزوة بني قينقاع لم يرد فيها اي إخبارية عن تعاقد بين الرسول الكريم ويهود بني قينقاع
ولو رجعنا قليلاً في نفس الكتاب فقط صفحتين فسوف نجد تناقض كبير أدخل فيه القمني نفسه عندما أرجع مرجعة الى ابن سيد الناس(عيون الأثر في المغازي والسير) وتحدث عن نفس الغزوة كما يظهر أدناه
.
لاحظ ما تحته خط
وهنا نورد ما كان في ذلك المرجع الذي هو عيون الأثر في المغازي والسير أدناه
غزوة بني قينقاع
قال ابن سعد وكانت يوم السبت للنصف من شوال على رأس عشرين شهراً من مهاجره.
قال ابن اسحق وكان من أمر بني قينقاع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمعهم بسوق بني قينقاع ثم قال يا معشر يهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة وأسلموا فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم قالوا يا محمد إنك ترى أنا قومك ولا يغرنك أنك لقيت قوماً لا علم لهم بالحرب فأصبت لهم فرصة أما والله لو حاربتنا لتعلمن أنا نحن الناس فحدثني مولى لآل زيد بن ثابت عن سعيد بن جبير أو عن عكرمة عن ابن عباس قال ما نزل هؤلاء الآيات إلى فيهم قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد قد كان لكم آية في فئتين التقتا - أي أصحاب بدر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقريش - فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرنوهم مثليهم رأى العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولى الأبصار
ويظهر القمني في ما جلبناه عالياً أنه قد خالف أمانته العلمية بتظهير ما يريد أن يوصله لعقل القارئ من فكرة تبدأ بمستصغر من الشك سرعان ما يعتمل كل عقل القارئ من شكوك تدحض ما يؤمن به من أفكار راسخة حول ما يعتقد فيه . وتلجأ العقول المبجلة الى صياغة تفاسير تزيد من وهم الشكوك نفسه . والإبتعاد عن التدقيق هو أس المشكل الأساسي , فقد درج البعض على أخذ القول دون تمحيص العقل والذي يكون في ذلك الوقت أسير الأفكار المقدمة من خلال طرح الدكتور القمني ,وقد يختلف البعض حول أن القمني ينقح التراث ويقدم ما في السيرة ولكن برؤية جديدة , اي أنه لايطرح فكراً من خلال ذلك التنقيح , وهنا ترد البضاعة كما هي ,فلو كان لايقدم افكاراً فلينقل بحكمة وأمانة ولا يقطع أو ينكر او يبدل ما هو موجود بهذا التراث وبكل شوائبه , وليترك القارئ في تحديد مواقفه, ولكن رسم إتجاه للتفكير من خلال خطوط محددة غير موجودة داخل التراث نفسه أو موجودة ومنكورة من قِبله فهذا هو مرمى التنقيح المُخل بالأمانة العلمية . أن ما قام به القمني من إنكار ما هو موجود ومعلوم يقدح في مصداقيته تجاه أفكاره أولاً , ويؤزم من شكل الخطاب بينه وبين خصومه والذين لم يفطنوا لأخطائه , وعجزوا عن مقارعته ولجئوا الى تكفيره , وكانوا خاطئين. ولكن هذا الخطأ لن يعفيهم من عجزهم في قراءة التراث نفسه ولو كانوا به مدققين لما بلغ بهم العجز مبلغ الإسراع في التكفير , وحث الناس على رفض القراءة لكل ما يكتُب . هذا ما جاء به القمني في سفره حروب دولة الرسول ( أنظر ما تحته خط وخصوصاً كلمة بعد)كما في الصورة أدناه
وهنا ما جاء في نفس المرجع (دلائل النبوة للبيهقي)ونفس المحقق ونفس الطبعة

الكلمة التي قام الدكتور القمني بتغييرها (كما يظهر) لم يكن خطأ غير متعمد , ولايمكن أن نميل الى جانب في إحتمالية الخطأ .وذلك لأن من الكلمة الجديدة وهي (بعد) تم البناء بها في كل ما جاء في ذلك السفر او الجزء الثاني من كتابه حروب دولة الرسول ,وكانت الكلمة الجديدة هي تحديد من جانب القمني لتفسير شكل بيعة العقبة الى حلف حربي قام به الرسول مع مسلمي المدينة او الأنصار , كما أن الكلمة ترسم شكل خيال قد يشتعل حول بطلان الوحي نفسه . وقبل أن نغوص أكثر كان لابد من الوقوف بين أصل الكلمتين (بذلك) و(بعد ) مسار النقاش ,فقد بحثنا كثيراً وسألنا اكثر حول ما يمكن أن يفهم من الكلمتين ووجه الشبه والخلاف بينهما , وكل هذا كان من أجل أن نجد مخرجاً للدكتور القمني ,وما وجدنا. وحتى شّرحنا كلمة (ذلك) ولام البُعد التي بها عسى ولعل يكون منها قرين للكلمة الجديدة , والخلاف المعنوي بين الكلمتين شاق وكبير ،وعبارة (لم نؤمر بذلك) تعني النفي القاطع بوجود مثل هذا الأمر ,كما يمكن ان تؤول للنهي عنه , وأهم مستوحى من العبارة نفسها هي أنها لاتدل من قريب أو بعيد بِعلم فرض الأمر عاجلاً أم اجلاً أو فرض الأمر من الأصل . ولكن عبارة (لم نؤمر بعد ) تعني النفي المؤجل لحين , وتدل أن قائلها يعلم بفرمان الأمر ولكن لم يحل زمنه , فما بالنا أن كل الأوامر هي مهبط وحي و كان بالإمكان وصولها في تلك اللحظة . أن التغيير في الكلمة افقد العبارة مضامين كثيرة أهمها الرسالة النبوية نفسها ناتي الى أن القمني بتغيير الكلمة كان قدد ألّب كل الأفكار التي تدحض في البيعة نفسها ,ولم يكن هنالك مخرج للقارئ سوى ان يسير على هدى أفكار الدكتور القمني والتي رسم طرقها بدقة فائقة يُحسد عليها ,ولما كان لابد من التفكير على حسب ما مقدم من معلومات من جانبه كان لابد للقارئ مثلنا أن يدقق أو يذهب الى ذلك الطريق دون رجعة . فالنقل إن كان كاملاً غير منقوص لقلنا انه قال الحق وما كان له سوى أن يكون ناقل آخر .ولكن أن يتم التغيير في المنقول لتغيير وجهة القارئ من تفكير فذلك إغتصاب للعقل دون رحمة , والحديث عندها يجب ان يصبح صارماً لا عذر فيه . أراد الدكتور القمني في سفره حروب دولة الرسول أن ينصر مبحثه الأول الحزب الهاشمي أو الصراع بين البيتين الكبيرين داخل مكة ,وهو ذلك المبحث الذي لاقى الكثير من الهجوم ,وإختار منطقة الميل بعناية كبيرة وهي بيعة العقبة والتي كانت الأساس حسب إعتقاده في تاسيس الرسول الكريم لدولته , ومنها إنطلقت سيادة بنو هاشم مرة آخرى , وبها إنطلق مُلك النبي على الجزيرة العربية. أن التغيير الذي قام به القمني يصل بتفكير القاري الى طريقين لاثالث لهما فإذا دخلت في اياً منهما فهو التيه دون الرجوع وهما :-
الأول : هو أن الرسول الكريم خالق من خياله او عبقريته للنبوة والدين الإسلامي .
الثاني : هو ان الرسول الكريم له رسالة حقيقية ولكن قام بأسواء إستغلال لها لعودة السيادة داخل الجزيرة العربية لبني هاشم .
وكما سبق وقلنا طريقان قد يجعلان الشك دائباً في مخيلة القارئ بين الحق والباطل في شان المعتقد نفسه ,ولما كان لزاماً على القارئ ان يختار أي من الطرق المطروحة من قِبل القمني كان لابد من قطع الشك باليقين حول المطروح وهنا ليس النقل ولكن الأفكار , فبعد البناء الممتاز الذي اقامه القمني إلأ أن الأساس كان من الهشاشة بمكان خيط العنكبوت . والأساس الهش دوماً ما يكون عُرضة للإنهيار ,وهو ما حدث في مبحث الدكتور القمني , فتصوير الرسالة التي اتى بها الرسول الكريم في قالبين أما الخيال أو الإستغلال ,وكلاهما غير سليم بعدم سلامة الأساس القائم عليهما ويؤكد وجود فكرة كان لابد للقمني من إثباتها ,ويظهر ذلك في محاولاته المتعددة في تظهير النزعة المادية لدى الكثير من صحابة الرسول الكريم ,وهو أن ولوجهم للإسلام لم يكن من اجل الدين بقدر ما كان من أجل أموال المغانم ,وكذلك العديد من التخليط في الكثير من البعوث والسرايا التي قام بها صحابة الرسول الكريم . وهنا نجد أن القمني فاته شيئ هام وهو المفهوم الأصيل للإسلام الذي جاء الى هؤلاء العرب في تلك الفترة الجاهلية ,وما قام به من تفتيح لعقول كانت تعرف العزوة بالدم , وتخضع للحجر إلهاً تراه, ولكن الإسلام ألغى الكثير من مفاهيم الجاهلية .ووحد بينهم تحت شخص واحد ,وهو أيضاً ما اكده القمني ,ولكن بمفهوم آخر إجتبى فيه القمني بعض الأحداث وأعرض عن آخريات داحضة لها ,وأخفى جزء من الحقائق حتى يكمل أفكاره ,واخيراً أبدل كلمات حتى يتتم نواقص منظوره . أن ما قام به الدكتور القمني تجاه قارئه هو أسواء ما يمكن أن يقوم به كاتب من عدم إحترام لمتلقي افكاره ,وفي نفس الوقت أقصر طريق لتقزيم نفسه . التأسيس الذي أقامه القمني من فرضيات غير سليمة كان بإصرار كبير رغم إتفاق الرواة حول بيعة العقبة نفسها ومفهومها داخل ذلك السياق التاريخي , حيث كانت المقاربة التي عقدها القمنى بين رسالة الإسلام وخلافات البيوتات الكبيرة في الجاهلية حول السيادة بُعد كبير في تمرير ما أراده من تعديل , وكذلك محاولاته العديدة للفصل بين شخصية الرسول الكريم كنبي وحاكم لأمة جديدة كانت لترميم ذلك المفهوم لإستغلال الدين في رجوع السيادة للبيت الهاشمي , وهنا تصوير لمقاربة مشاهد كبيرة بين ذلك السيناريو ومحاولات الإسلام السياسي في الوصول للسلطة من منطلق المفهوم المغلوط للحاكمية , ويقيني أن القمني كان في محاولة جادة لإبراز وجه إفترضه حتى يكون حجة لأفكاره اللاحقة في دحض أوهام الإسلام السياسي . وهذه المقاربة بدأ فيها القمني منذ أول تأسيس في سفره الحزب الهاشمي وأرجع كل ذلك الى تأثر عرب ذلك الزمان بثراث اليهود معضداً فكرته بما كتبه االأستاذ العقاد في كتابه(طوالع البعثة المحمدية), وواقع تلك الفترة وحوجة العرب لمن يوحدهم والظروف الإقتصادية والإجتماعية , وهي الظروف التي ساعدت الرسول الكريم في إنفاذ شخصيتة الثانية كملك متوج عبر الدين والسيادة لأهل بيته أو كما اشار . ويتواصل تأسيس القمني في دولة الرسول من تغيير مفهوم البيعة الى حلف حربي بينه واهل المدينة الى تاسيس دولة ومركز تجاري داخل يثرب ,وينطلق منها نور الدعوة والدولة , وأسس لهذا من ان يثرب هي أهم طريق تجاري يجب على الكل المرور به , وخصوصاً أهل قريش , أي بمفهوم آخر سوف تصبح قريش تحت رحمة من يحكم المدينة , ولنترك هذا جانباً وسوف نعود اليه ونذهب الى تفنيد آحد الطرق التي رسمها القمني لقارئه وهي خلق النبي لنبوته ومعها محاولته لإرجاع سيادة مكة الى بني هاشم , وهنا الروايات هي التي تكشف زيف هذا المنحى وخصوصاً الرواية التي تقول أن أهل قريش إقترحوا على محمد أن يصير ملكاً ويترك امر دعوته , والمُلك الذي أرادته قريش لمحمد كان مشروطاً بترك الدعوة للدين الجديد , وهنا كان للرسول الكريم أن يقبل بذلك طالما أن السيادة عائدة عن طريق أهل قريش أنفسهم , وهنا ما غاب عن القمني أن الرسول الكريم كان شخصية واحدة وليست إثنتان , ومحاولات التفصيل في شخصية الرسول بأسباب غير الدعوة الجديدة في ذلك التوقيت تكون محتومة بالفشل , ومحاولة إلباسه ثوب السعي الى المُلك تكون معدومة الدوافع , فكل نوايا هجرته كانت موجهة في الدعوة للدين وليس لقيام دولة يستأسد فيها على الجزيرة العربية . أن القمني وبرغم مجهوده الضخم في إثبات الحزب الهاشمي ومحاولته الكبيرة لتبيث وتعضيد فكرته فات عليه ان الوعد الذي اتى به الرسول الكريم لمن ينصره هو مكون غيبي بالنسبة لهؤلاء الأعراب والذين كان مبلغ همهم أن يروا أجرهم في الدنيا , ولذلك كان عرب تلك الفترة لا يعملون بالحرف أو الزراعة بل ويعتبرونها من المهن الوضيعة وكان الغزو والمغنم وهو ما تراه العين وليس الإيمان الذي أتى به الرسول الكريم وما يصدقه القلب . ويستمر تأسيس القمني لدولة الرسول محللاً حالة العرب في تلك الفترة التاريخية ونزوعهم نحو البحث المستمر عن ما يوحدهم , وأخذ بتحليله في تطور الفرقة التي كانوا بها الى شكل جديد من المجموعات عبر الأحلاف التي عقدوها مع بعضهم البعض , وهنا ملاحظة قيمة قدمها القمني في تطور المجتمع الجاهلى يُحمد عليها ,ولكن السؤال الذي يتبادر الى داخل ذلك السياق التاريخي ماذا كانت الضرورة من هذه الأحلاف؟ أن الإحلاف التي عقدها العرب وفيما بينهم كانت كلها من أجل ضرورات ملحة , وكان من أهمها الحروب وصد الغزاة , وآخرى كانت لدرء الحروب فيما بين المتحالفين . وهنا يتكشّف وجوب قطع تركيز الدكتور القمني على مسببات هذه الأحلاف , وجعلها تسلسل روائياً حتى مطلع الإسلام وبروز دولة الرسول الكريم حتى يتسق التحليل المُفضي الى خروج دولة الرسول من رحم طال حمله داخل أرض الجزيرة العربية , وليت الحال توقف عند ذلك في تحليل القمني بل تعداه الى ما قام به المسلمون من أحلاف جديدة وقطع العقودات القديمة التي كانت قائمة بين عرب الجاهلية, وهو تأكيد منه على بيعة العقبة بأنها بيعة حرب , وفات على صاحبنا أيضاً ان واقع تلك الفترة إتسم بمبدأ القوة وما على صغار المجموعات الى التسليم بما يفرضه الأقوياء رغبةً أو كرهاً ,وكذلك فات عليه صحيفة المدينة التي تركت العهود كما هي وبل عضدت من إستمرار المسئولية بين المتحالفين. ويجب ذكر أن بعض الأحلاف التي قامت في الجاهلية إنتهت بمعارك كبيرة بين المتحالفين أنفسهم وهو ما يدلل على أن الإحلاف لم تكن تطور في ذلك الزمن بقدر ما كانت تحكمها المصالح , والتي إن إنتفت فالسيف يفارق الغمد . ويستمر نسف تأسيسات القمني القائمة على فرضيات أبعد ما تكون عن الواقع لذلك السياق التاريخي , ونأتي هنا الى الإشارات التي رماها القمني حول يهود المدينة , وهي قبولهم الرسول الكريم وصحبة للنزول والإقامة بالمدينة, وعلّل القمني ذلك بأنه يُعد من باب المكاسب بالنسبة لليهود والذين عُرفوا بحساب مصالحهم التجارية في المقام الأول , وعضد من ذلك بإنتعاش تجارتهم بإحتضان الهجرات السابقة , أي هجرة الأوس والخزرج , وهنا لابد من وقفة نحلل فيه ما كتبه القمني مستنداً على مكاسب اليهود من الهجرات التي أتت الى المدينة , فالمعلوم تاريخياً أن اليهود كانوا في فترة من الفترات وقبل وصول الأوس والخزرج الى المدينة ملوكاً عليها ويعني هذا أن اليهود كانت لهم اليد العليا في المدينة , وهذه وقائع تاريخ ومنها أفل نجمهم بعد قدوم الأوس والخزرج إليها , ولم يكن لهم بعد ذلك في المدينة سلطان حتى حرب بُعاث والتي تفرقوا فيها أحلافاً بين الأوس والخزرج تدلل على المكانة المتدنية التي وصلوا إليها بين سكان المدينة , ومن هنا فإن أي محاولة تجعل يهود المدينة في مقام سادتها بقبول هجرة النبي أو رفضها تعضد من نسف فكرة البيعة نفسها , وأن اليهود إن كانت لهم تذكرة في سلطانهم فإن هجرة الأوس والخزرج يجب أن تجعلهم كافرين بقدوم اي وافد جديد على المدينة , وخصوصاً إذا كان هذا الوافد من لحم ودم عرب المدينة نفسها ,ونزيد القول هنا أن اليهود كان كل مبلغهم عودة السيادة التي فقدوها بتحالف الأوس والخزرج عليهم وليس تعضيد سلطة عرب المدينة, أن توهان القمني عن مجمل هذه الحقائق ليس له تفسير سوى وضع برهان الفكرة قبل إثباتها , وترسيم حدود ضيقة تجعل القارئ يخطو بثبات نحو فكرته وإستخدامها كقانون يُحلل به الكثير من ظواهر التراث الإسلامي . تخليط القراءات وإختلاف تزمينها كان من العناصر الهامة ليطبق بها القمني على عقول قرائه ,ويجعلها تسير وتسرع الخطى حتى تصطف لتلقي تواتر أفكاره , وجعل العقول توازي الأثر السليم للتراث في المحقق فيه والمدقق بتواتره , ولن تلتقيه بعد ذلك ابداً . لذلك عمد القمني على إبراز وجه غير موجود البتة في العقول والنقول , وتجد ذلك في محاولاته المتعددة لإظهار شكل من أشكال المؤامرة في كل الروايات التي أخذها تعضيداً لفكرته , كتحليله المتواتر في أمر الإيلاف والبيعة وسرايا الرسول الكريم قبل بدر والحديبية وفتح مكة , وطالما أن شبح المؤامرة كان إنطلاقاً من بعض أفعال الرسول الكريم والمحسوب عند القمني بإنتمائه للبيت الهاشمي إلأ أن ظلال هذا الشبح لا يتوقف عند الرسول الكريم بل يتعداه الى مجمل الرسالة الإسلامية , لذلك لم يكن مستغرباً من القمني أن يسخر من كثير من معجزات الرسول الكريم والتي نقلها التراث الإسلامي , بل وأتبع لهذا تشككه في بعض معلوم الرسول الكريم بالغيب ,وبالرغم من أن القمني لم يورد ما اصدره في تشككه بالغيب سوى لبعض الفصول من الأحداث أثناء عهد البعثة إلأ أنه أثبت قرائته الجيدة لكتاب العقاد (مطالع البعثة المحمدية) والذي رأى فيه العقاد أن العلم بالغيب ليس من مهمة النبي , وليت القمني لو تفضل وقرأ بعض الردود على العقاد حول أمر الغيب , ومن أقوى الردود حول هذا الأمر كان هو رد الأستاذ الشهيد /محمود محمد طه والذي برهن على علم النبي بالغيب ولكن أكد أن ما يعلمه النبي من الغيب بالنسبة لعلم الله كالفارق بين الوجود والعدم . أن الدكتور القمني تناقض بعض الشيئ في تخليط القراءات المتواترة في التراث الإسلامي , وهو العنصر الذي جعل بعض افكاره تتذبذب حين تتعرض لإدخالها داخل السياق التاريخي , وتفتقد لقوة المضمون عند مقاربتها بحقائق تلك الفترة الزمنية , كما أن محاولة ترشيدة وضغطه للأحداث جعل بناء فكرته مهدداً بالإنهيار. ولكن التناقض الواضح والذي حاول بها القمني تعضيد أفكاره كان هو نكرانه لمكاتبات الرسول مع يهود المدينة وخصوصاً بنو قينقاع عندما قام الرسول بطردهم ,والذي أكده في قبول اليهود بإقامة الرسول الكريم بالمدينة وترتيب أمورها بالمكاتبات قبل بدر,وهنا يظهر إجتهاد القمني الحثيث في التمثيل بعقول قرائه بعد ذبحها . سعي القمني المتصل في تقوية افكاره جعله يتنازل عن كل ما يمكن ان يعّتد به كاتب ومفكر من شرف في النقل , وصدق في الحق , وعقلانية في التحليل , ولذلك نجد أنه قد أطلق العنان لخياله في تصديق فكرته قبل الثبوت ويتضح هذا في إستدعائه للكعبات وترميز سدنتها , وكانت هذه أول المعاول التي إستخدمها في دك فكرة وإستيلاد آخرى . ونجد الأثر عميقاً في إختلاف تحليلات الوضع قبل البعثة وبعدها في شان عرب الجزيرة العربية ,بالرغم من أن الواقع واحد والناس هم الناس , ومنها محاولة تظهير بعض المشاهد للقارئ من أحداث الإسلام في تلك الفترة بصيغ مقاربتها بواقع الحال داخل عقلية القارئ والذي سرعان ما يصاب بالغثيان منها ,ولم تختلف هذه عن محاولاته العديدة لإنتزاع الأحداث من الواقع الذي كانت عليه الجزيرة العربية في تلك الفترة , وهنا لن قول لابد من ذكره وهو أن كل أحداث المسلمين بغيرهم ابان عهد ظهور البعثة لم يختلف عن واقع تلك الفترة , وهي طبائع بشر قبل أن تكون موجهات دين ,وهذه الطبائع من الصعب تغييرها بين يوم وليلة , لذلك فإن إمتعاضات القمني المظهورة لقارئه لايوجد لها مكان في هذا التراث . وأيضاً لم يقم القمني بإستخدامها إلأ لتوضيب عقل القارئ لقبول افكاره , ومحاولة وضع هذا ا





























